الشيخ يد الله الدوزدوزاني التبريزي
175
دروس في تفسير القرآن (حول المعاد)
تفسير : فانّي نسيت الحوت . . . الآية السادسة : قوله تعالى : فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً * قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً « 1 » . والمعنى : أنّهما لمّا جاوزا في سيرهما مجمع البحرين قال موسى ليوشع : آتنا طعامنا لنأكله ، لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ، وأجاب يوشع : عندما أوينا إلى الصخرة واسترحنا هناك أنّي نسيت الحوت وتركت الاهتمام به ، وما أنسانيه الّا الشيطان ، وهو أوجب نسيان الحوت ، وعدم مراعاته ذلك حتى وقع في الماء واتخذ في البحر سبيله عجباً ، بأن صار حيّاً وسبح فيه وغاص . وفي الآية قد تكرّر النسيان ونسب إلى يوشع أوّلًا بأنّه نسي الحوت ، فالمعنى أنّه نسي مراعاته ، ثمّ نسب ذلك النسيان إلى الشيطان وأنّه كان منه ، فالآية تدلّ على عروض النسيان للنبيّ ، وأنّه يجوز أن يتسلّط الشيطان على الأنبياء ويوقعهم في النسيان ، فالآية إذنْ صريحة في عروض النسيان ليوشع النبيّ ، وأنّ هذا النسيان كان من تسلّط الشيطان ، ولا يخفى أنّه مشكل لابدّ من التوجيه . الّا أنّه قد قلنا : إنّه من الممكن حمل الشيطان على الأمور الدنيويّة التي لا خير فيها بالنسبة إلى الآخرة ، وحينئذٍ يكون المراد من الشيطان الموجب للنسيان هو الاشتغال بالأمور الدنيويّة ؛ وعليه لا يرد إشكال تسلّط الشيطان عليه . وأمّا النسيان فقد تقدّم عن الشيخ الطوسي وغيره : أنّ الممنوع منه هو عروض النسيان في تبليغ الأحكام ، على ما سيأتي بيانه دون غيره .
--> ( 1 ) . الكهف : 62 - 63 .